من
سوق عكاظ إلى الملتيميديا والانترنيت

بسطة تاريخية :

من
منّا لا يعرف المعلّقات ولا يذكر بعض تلك الأبيات التي كانت تلقى بسوق عكاظ وتعلّق
على الكعبة كلّما بلغت درجة من الجودة
والتعبير الصادق والمتميّز الذي يجعلها تحظى بذلك التكريم وتلك الطريقة للنشر
والشهرة. فنحن مازلنا إلى اليوم نردّد مع الأعشى :

ودع هريرة إن الركب مرتحل … و هل تطيق وداعاً أيها
الرجل

غراء فرعاء مصقولٌ عوارضها … تمشي الهوينى كما يمشي
الوجي الوحل

كأن مشيتها من بيت جارتها … مر السحابة لا ريثٌ و لا
عجل

تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت … كما استعان بريحٍ
عشرقٌ زجل

ليست كمن يكره الجيران طلعتها … و لا تراها لسر الجار
تختتل

يكاد يصرعها لولا تشددها … إذا تقوم إلى جاراتها الكسل

إذا تلاعب قرناً ساعةً فترت … و ارتج منها ذنوب المتن
و الكفل

والمعروف عن العرب في تلك الفترة أنّهم كانوا يجعلون من
الشّعر الذي تتناقله القبائل وسيلة لنشر أخبارهم ولوصف أحوالهم يحفظونه حفظا
ويتنافسون في إتقانه وحسن بيانه حتّى قيل … الشعر ديوان العرب … ولعلّ إحدى
معجزات القرآن أنّه أتى في أمّة تقدّس اللغة فتفوّق على المتفوّقين فيها ونطق بكلمات
أبهرت أبلغ العرب …

ولئن كانت الثّقافة العربية ترتكز في ذلك العصر على
النّقل الشّفوي ولا تعير الكتابة اعتناء مركّزا فقد أصبح التّدوين ووضع المكتبات
من مميّزات الحضارة الإسلاميّة في فترة نضجها وتطوّرها. كما أنّ العصر الذّهبي
للحضارة الإسلاميّة تميّز بنقل العلوم والآداب عن الثقافات الأخرى بترجمة الموروث
عنها.

وبرزت منذ بداية القرن العشرين وسائل جديدة لنشر الثقافة
كالطباعة والإذاعة والحوامل المغنطيسية والسينما وهانحن اليوم ومنذ بضع سنين ندرك
عصرا جديدا … عصر الملتميديا والانترنيت عصر التّرقيم ودمج المعطيات … وهو
تحوّل يرى فيه البعض ثورة تكنولوجيّة ستزعزع النّمط الحياتي التقليدي في كلّ
المجالات والثقافي منها بالذات.

ما هو الانترنيت ؟

أصبحت كلمة « انترنيت » معروفة عند الناس وهي
تدلّ في مفهومها المتداول على وسيلة لاقتناص و تبادل المعلومات عبر شبكة عالميّة يقع الإرتباط بها عن طريق
كمبيوتر متّصل بشبكة الهاتف. ولئن تميّز الانترنيت بسرعة توفيره للمعلومة المطلوبة
في أيّ وقت نختاره ممّا جعله يصبح وسيلة تكاد تكون لا غنى عنها للبحث عن الوثائق
فإن وراء تلك السّرعة وتلك الوفرة في الوثائق منظومة كاملة لابدّ من إدراك مكوّناتها.

1. تحديد
و صناعة المحتوى

2.
صياغة المحتوى

3.
شبكة هاتفيّة وخدمات خاصّة

4.
أجهزة طرفيّة

وتجدر الملاحظة أنّ مختلف هذه العناصر متّصلة ببعضها
اتّصالا وثيقا في شكل عقد مترابط الحلقات بحيث إذا انقطعت إحدى هذه الحلقات حدث
تفكّك العقد بأكمله وبالتاّلي انقطاع وتدهور الخدمة المقدّمة عن طريقة الشبّكة .
ولعلّنا نلاحظ هنا الوجه الآخر لهذه العملة الجديدة وهو احتياجها إلى سيطرة تامّة
ودائمة على كلّ الحلقات الّتي تتكوّن منها والّتي تجمع بين جوانب
تقنيّة وجوانب معلوماتيّة وثقافيّة.

مختلف المجالات التي تتأثر بالانترنيت :

يمثّل الانترنيت وسيلة لنقل المعلومة بصفة حينيّة
وبأشكالها المختلفة : كلمة , صورة وصوت ويتميّز بتمكين المستعمل من الوصول إلى
المعلومة المتوفّرة على « حوامل الخدمات »

(les serveurs )

في الوقت الذي يشاء ومن المكان الذي يشاء. فلا غرابة إذن أن تؤثّر هذه الآليّة
الجديدة لانتقال المعلومة في مختلف مجالات الحياة وأن تتفاعل بأكثر كثافة مع
الثّقافة والحال أنّ هذا المجال يرتكز أساسا على المعلومة ويترعرع بانتشارها
وتفاعلها مع من يتلقاّها.

ويمكن لنا أن نبوّب المجالات الّتي تتأثّر مباشرة
بالانترنيت إلى ثلاثة أصناف
:

1. مجال
التّراسل الإلكتروني وتناقل المعلومات الشخصي

2. مجال
الخدمات والتجارة

3. مجال
ترويج الثقافة والدّعاية الفكريّة

ونحن إذ نتّخذ هذا التبويب إنمّا نحدّد مجالات كبرى
يتّصل كلّ منها بالآخر فأنت تجد موقعا تجاريا على الانترنيت يبيع منتوجا ثقافيّا (
شريطا فنيّا أو قرصا موسيقيا أو كتابا) كما يستعمل التراسل الإلكتروني للدّعاية
التجاريّة وغيرها.

ويزيد تشابك مختلف هذه المجالات واستعمالها, على اختلاف
مضامينها وأهدافها, لنفس الوسائل التكنولوجيّة ولنفس المنضومة الشبكيّة من قوّة
الانترنيت وهيمنته فهو يوحّد عديد الخدمات الماديّة والإعلاميّة في وسيلة واحدة
ذات مردوديّة حينيّة وعالية.

الارتباط بين الثقافة والحياة الإقتصادية :

قد أدركنا إذن تشابك الثقافة ونقل المعلومة والترويج
للأفكار و تقديم الخدمات والتجارة في منظومة واحدة عبر الانترنيت والمعروف, منذ
القديم, الترابط الوثيق بين الغزو الثقافي والمصالح الاقتصاديّة فهما متلازمان
يساند كلّ منهما الآخر.

ما الحال إذن وقد توفّرت وسيلة تروّج الثقافة والتجارة
في آن واحد؟

تدلّ المعطيات المتوفّرة حول شبكة الانترنيت حاليا على
أنّ أكثر من
90%
من « الورقات » الموجودة على الشبكة تستعمل اللّغة الانقليزيّة وتروّج
للثقافة والمنتوجات الأمريكيةّ أساسا.

وقد رأى الكثيرون أنّ الانترنيت يمثّل فرصة للبلدان
النّامية لتدارك ما عاشته من تخلّف على
ركب الحضارة وتنعت
هذه الفرصة ب « المختصر التكنولوجي »

(le raccourci technologique) فمن الواضح أن تكنولوجيات
الانترنيت ترتكز أساسا على الذّكاء البشري ولا تحتاج إلى بنية أساسيّة ماديّة
مكلفة. فإذا نحن قارنّا ما تتطلّبه التكنولوجيات الحديثة مع ما كانت تتطلّبه
الثورة الصّناعيّة تبيّن لنا أنّ البنية التحتيّة للثورة الصناعيّة
(Industrie lourde : métallurgie, sidérurgie, etc. ) صعبة المنال بالمقارنة مع البنية
التحتيّة للتكنولوجيات الحديثة (حواسيب, شبكات اتصالات, أقمار صناعية).

لكن الملاحظ للوضع الحالي يرى أنّ العالم النّامي لا
يزال يعاني نفس التخلّف وبطء الاندماج في بوتقة التكنولوجيات الحديثة بل نحن نلاحظ
أنّ أمما متقدّمة كفرنسا مثلا لم تتمكّن من مسايرة نسق التطوّر الذي شهدته أمريكا
الشماليّة في هذا المجال.

ويعود هذا البطء الذي نلاحظه في الاندماج في هذا العالم
الجديد, في نضرنا, إلى سبب أساسي لا تتوّفر علية إلا البلدان التي بلغت درجة
متقدّمة من التطّور التكنولوجي والإقتصادي والسياسي, وهو القدرة على التحكّم بصفة
دائمة ودقيقة في مختلف حلقات العقد الذهبي للانترنيت وهي :

إيجاد المحتوى المطلوب في الوقت المطلوب


صياغته بالسرعة والدقة المطلوبة


توفير البنية الأساسية لبثّه : موزّعات – مخزّنات – شبكات اتصال …


توفير الوسائل
الطرفيّة

علما وأنّ كلّ مكوّنات هذا العقد أساسيّة وأنّ النّجاعة
النهائيّة للمنظومة تتأثّر أساسا بمردود أضعف حلقات العقد … فالمطلوب إذن الجودة
القصوى لكلّ حلقة … لتحقيق الجودة القصوى للمنظومة النهائيّة
!!!

أين نحن على الشّبكة ؟

أبيات الشعر التي أتت في مطلع هذا النصّ أخذت من كتاب
اصفرّت أوراقه وكنت أطمح أن أجدها بمجرّد كتابة اسم الشاعر في محرّك من محرّكات
البحث … فأنت لو ضغطت اليوم على « ابحث » بعد إدراج اسم
« شكسبير » بالمجال المخصّص للبحث على محرّك « 
Yahoo » لتلقّيت إجابة تعطيك
عنوانين لحوالي 500 وثيقة تحتوي على اسم
شكسبير يتضمّن جلّها تعريفا بالأديب و أجزاء من إبداعاته.

أمّا إذا كتبت
اسم « الشّابي » مثلا فأنت لا تتحصّل إلّا على بعض العناوين لوثائق لا
يربطها بشاعر تونس الأوّل إلا ذكر إسمه عرضا و أنت لا تظفر وإن أطلت البحث ببيت
واحد من أشعاره الخالدة.

أين نحن إذن على الشبكة وأين
نحن من « المختصر التكنولوجي » ؟؟؟

أين ثقافتنا على شبكة الانترنيت
؟ أين آلاف الكتب والمجلّدات ؟؟؟ إنّ الثقافة العربيّة الإسلاميّة تكاد لا توجد
على الشبكة
!!! والمطلوب إذن وضع المئات من الفرق لنفض الغبار على
حضارتنا وصياغتها وتوفيرها لأجيالنا النّاشئة حتّى تجد على الشبكة مجالا لنيل
المعرفة وللتشبّع بقيمنا وحتّى نتمكّن من تسخير هذه الوسائل التي غزتنا لخدمة
أصالتنا
وتجذّرنا في هويّتنا وحتّى لا
يصير شبابنا مطيّة سهلة لثقافات فرضت نفسها علينا فرضا وتودّ تمرير أفكارها
والترويج لتجارتها.

المطلوب اليوم إحداث مضمون
ثقافي قومي ووطني لهذه الشبكة, والمثقف مطالب بالمساهمة في هذا المجال يساعده في
ذلك الفنيّون المختصّون حتّى نسجّل حضورنا في هذا الوسيط الإعلامي الجديد الذي لا
يمكن أن نتجاهله والحال أنه أصبح يجتذب أعدادا وافرة من شبابنا ويفتح لها من
الأبواب ما لا يمكن غلقه إلّا بفتح أبواب أنبل وأسمى ذات مضمون جيّد وفكر رائد.

تونس في11 أفريل2001

By RL

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

wpChatIcon